مقالات – قصي حازم
لن تستمر تويوتا في الصدارة إن اعتقدت أن الاعتمادية وحدها تكفي. صحيح أن المجموعة العملاقة ما تزال أكبر مُصنِّع للسيارات مع نحو 11.3 مليون مركبة باعتها العام الماضي 2025، لكن الحجم الحالي لا يضمن بالضرورة موقعها مُستقبلًا.
ناقشنا في مقالتنا “لماذا لن تتفوق الصين في صناعة السيارات؟” كيف أتاح التحول الكهربائي للصينيين التقدم في مجالات لا تُسعِفها خبرة قرن في صناعة محركات الاحتراق. والأمر لا يتوقف عند تقنية البطاريات والبرمجيات، فنوعية المواد والتجهيزات والتصميم كلها في تطور سريع، والصينيون يتفوقون الآن حتى في كفاءة محرك البنزين، متغلبين على أفضل ما قدمته تويوتا.

مِن تهكُّم إيلون ماسك إلى مأزق العلامات الأوروبية
في العام 2011 ضحك إيلون ماسك عند سؤاله عن احتمالية أن تنافس بي واي دي سيارات تسلا. ولكن في 2025، باعت الشركة الصينية نحو 2.26 مليون سيارة كهربائية بالكامل، مقابل 1.64 مليون لتسلا.
إلى ذلك، لم يمنح التاريخ الأوروبي أصحابه الحصانة. ففي الصين، انخفضت تسليمات بورشه 26% العام الماضي، ومبيعات سيارات مرسيدس-بنز 19%، وبي إم دبليو وميني مجتمعتين 12.5%، وأودي 5%. تراجعٌ لأسماءٍ بنت مكانتها على الفخامة والهندسة والجودة.
وبهذا، امتد الضغط إلى المصانع؛ أوقفت فولكس واجن إنتاج السيارات في مصنعها بدريسدن نهاية العام الماضي، وتعتزم إنهاء إنتاج السيارات في أوسنابروك صيف العام القادم. أما أودي، التابعة للمجموعة، فأغلقت مصنع بروكسل في فبراير الماضي. كما أن مرسيدس تتخوف من احتمالية إغلاق مصنع لتجميع السيارات وآخر لإنتاج أنظمة الدفع في ألمانيا إن لم تُخفض التكاليف.
في هذه الأثناء، ارتفعت حصة بي واي دي عالميًا لتحتل المركز السادس، ووَثَبَت جيلي للمركز الثامن مع نمو مذهل بلغ 23٫4%.

لم يُعفِ التاريخ الصناعي الطويل الألمان، وليس بالضرورة أن يعفي اليابانيين.
قد تكون الأمثلة التقنية أوضح، كانت تويوتا حمّستنا عام 2018 بأن تسوّق بطاريات الحالة الصلبة في أوائل العشرينات، وحل العام الماضي ليصبح الموعد المُنتظر عام 2027–2028. وخلال هذه الفترة واصل المنافسون تطوير الشحن والبطاريات المتاحة.
استطاعت بي واي دي الصينية في مارس الماضي الشحن من 10 إلى 97% في تسع دقائق. ثم أعلنت جيلي -الصينية أيضًا- تحقيق النطاق نفسه في 8 دقائق و40 ثانية، ومن 10 إلى 70% في أربع دقائق ونصف فقط.
أصبح السباق الآن بين الصينيين، وليس على مستوى السيارات الكهربائية فقط.
من جهة أخرى، نشرنا في 2018 خبر وصول محرك تويوتا سعة لترين لأفضل كفاءة حرارية، مع بلوغ نسخته المخصصة للنظام الهجين إلى 41%. ولاحقًا أعلنت بي واي دي وصول كفاءة محرك نظامها الهجينة الجديد إلى 46.06%، فيما وصلت جيلي لكفاءة 46.5% في نظام EM-i، وذكرنا دخولها لموسوعة غينيس عند تجربة طراز EX5 الهجين.
ثم إن بعض استطلاعات الرأي تشير لتقدم ملموس للسيارات الصينية، فمثلًا أشارت دراسة استطلاع Canstar Blue لعام 2025 في أستراليا حصول ام جي على المركز الأول في رضا مالكي السيارات الصغيرة، متقدمة على تويوتا.

الاعتمادية ليست محجوزة لعلامة أو بلد
يبقى لدى حاليًا تويوتا حجة قوية، فسياراتها تتحمل الاستخدام وسهلة الصيانة، كما أنها لا زالت بالمُجمل تحقق المركز الأول بالاعتمادية في العالم.
في ذات الوقت، هناك العديد من الأمثلة على التفوق التقني لدى الصينيين، يُضاف لها التجهيزات ورضا الزبائن والسعر المُنافس.
وبما أن الاعتمادية ليست صفة محجوزة لعلامة أو بلد، فماذا يبقى لتبرير أسعار تويوتا واختيارها؟ وهل يمكن للصينيين تقديم سيارات باعتمادية أفضل مع تقنيات متقدمة وسعر أنسب؟
يزداد القلق حين ننظر إلى أسعار طرازات مثل لاند كروزر وبرادو وهايلوكس وهاي إيس أمام بدائل صينية أكثر تقدمًا وأقل كلفة. ومثلًا يُقارب سعر برادو في أستراليا 100 ألف دولار مقارنة بـ نحو 80 ألف دولار لـ ليوبارد B5 الأعلى تجهيزًا.
قد يستطيع اسم تويوتا واعتماديتها وقيمة إعادة بيعها تبرير فارق معقول، لكن اتساع الفارق السعري وتوفر خدمات الصيانة لدى المُنافسين قد يجعل المشتري يعيد حساباته. والخطورة بأن تتحوّل تويوتا من كونها الخيار الأول الذي يُقارَن الآخرون به لتصبح إحدى الخيارات التي تحتاج إلى تبرير السعر.
تدرك تويوتا ما يملكه الصينيون وتتكيّف بذكاء؛ فقد طورت طرازي bZ3c وbZ3X بالتعاون مع فاو FAW وGAC. وتملك العلامة اليابانية الكثير مما يؤهلها للاستمرار في الصدارة: حجمًا صناعيًا هائلًا، وخبرة طويلة، وعلامات ومنتجات متنوعة تخاطب احتياجات أسواق مختلفة. وهي قادرة على توظيف هذه المزايا لمجاراة المنافسين والتقدم عليهم، والاعتمادية لا زالت محفوظة. لكننا نتخوّف أن تتحول الثقة بالقدرات إلى تقاعس، وأن يصبح التغنّي بإنجازات الماضي بديلًا عن تطوير منتجات الحاضر والاستعداد للمستقبل.
ما تزال المجموعة اليابانية في وضع قوي، إذ باعت نحو 11.3 مليون مركبة في 2025، بزيادة 4.6%، واحتفظت بصدارة المبيعات العالمية للعام السادس تواليًا. ولن تفقد تويوتا صدارتها لمجرد ظهور سيارة صينية أسرع أو أرخص. لكنها قد تفقدها إذا تكرر سؤال “لماذا أدفع أكثر؟” عبر فئاتها وأسواقها.
تبقى الاعتمادية مُبررًا مهمًا لشراء تويوتا، كما يظل التاريخ مبررًا لاقتناء بورشه. فإن طوّرت تويوتا مزاياها فستكون قادرة على الدفاع عن صدارتها، أما إن تراخت وراهنت على ماضيها فقد نرى مجموعة صينية تكتسب لقب أكبر مُصنِّع للسيارات في العالم.



