كشفت فيراري رسميًا عن مقصورة أولى سياراتها الكهربائية بالكامل، في خطوة تمثل بداية فصل جديد في تاريخ الصانع الإيطالي، وتؤكد أن الانتقال إلى الكهرباء لا يعني التخلّي عن الإحساس، ولا عن هوية فيراري.
نبدأ بالاسم Luce الذي أعلنت عنه فيراري اليوم. يُلفظ هذا الاسم “لوتشه” بالإيطالية، ويعني “الضوء”.
الحقيقة أنه لا يعبّر عن تقنية أو نوع المحرك، بل هو رمز لفلسفة فيراري الجديدة. تقول العلامة الإيطالية أن الكهرباء ليست هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق تجربة قيادة متكاملة ومبتكرة، تجمع بين الأداء والتصميم والابتكار. وبمعنى آخر، فالسيارة الكهربائية الجديدة ليست مجرد سيارة “كهربائية” بل تعبير عن رؤية فيراري للمستقبل، حيث التقنية تخدم الإحساس بالقيادة والإبداع، وليس العكس.
يرمز الضوء إلى الوضوح والشفافية، وتريد فيراري أن تكون المقصورة واضحة وبديهية، وأن تكون التقنية مرئية ومفهومة للركاب.

مقصورة تُعيد الاعتبار للتفاعل الميكانيكي
يقف مشروع فيراري لوتشه عند تقاطع اسمين يُعدّان من الأكثر تأثيرًا في تصميم العصر الحديث: جوني آيف Jony Ive المعروف بدوره المحوري في تشكيل هوية منتجات آبل، ومارك نيوسون Marc Newson عقل التصميم الصناعي.
تمثّل دور جوني آيف بتقديم فهم عميق لتجربة المستخدم، وتحقيق بساطة مدروسة، وكيف يمكن للتقنية أن تكون بديهية وغير مُتكلّفة. في المقابل، يرى مارك نيوسون في المعدن والكتلة والملمس لغة بحد ذاتها، ويُعيد تعريف العلاقة العاطفية بين الإنسان والمنتج عبر التفاصيل الميكانيكية الدقيقة.
إن كان جوني آيف هو من يجعل التقنية إنسانية، فإن مارك نيوسون يجعل المعدن حيًّا.





على عكس التوجه السائد في السيارات الكهربائية المعتمدة كليًا على الشاشات، اختارت فيراري نهجًا مختلفًا في Luce، بالجمع بين الشاشات الرقمية المتقدمة وأزرار ومفاتيح ميكانيكية حقيقية صُممت بعناية فائقة. تبدو المقصورة كحيّز نظيف وبسيط، صُمم لخدمة القيادة قبل أي شيء آخر، مع توزيع واضح للأزرار والمفاتيح والشاشات.
المقود ثلاثي الأذرع يستلهم تصميمه من طرازات فيراري في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، مع هيكل من الألمنيوم المعاد تدويره، ويزن أقل بـ 400 غرام من المُستخدم في طرازات الشركة حاليًا. أما العدادات، فجاءت ضمن وحدة قابلة للإمالة مع المقود، وتضم شاشتي OLED متداخلتين طُوِّرتا بالتعاون مع سامسونج، في تصميم يمزج بين العمق البصري والوضوح العالي، ويستحضر عدادات فيليا Veglia ويايغر Jaeger الكلاسيكية بروح رقمية حديثة.

تقول فيراري أن المشروع الذي استمر العمل عليه لخمس سنوات لم يُركِّز على “رقمنة” المقصورة، بل على إعادة تعريف العلاقة بين السائق والآلة، عبر عناصر ملموسة وواضحة ومقصودة في كل حركة ولمسة، مع ذلك، نرى في التصميم النهائي خطوطًا واضحة لـ “تصميم المُنتجات” يستغني عن الارتباط العاطفي المعهود وحتى الخطوط والأسطح المنحنية التي تستخدمها طرازات مثل تيستاروسا وبورسانغوي وF80
بأي حال، تُدرك فيراري أن التحدي الأكبر في السيارة الكهربائية ليس التسارع أو القوة، بل الإحساس. لذلك، ركّزت على التفاصيل التي تُشعر السائق بأنه يقود فيراري حقيقية: فهناك مثلًا مفتاح زجاجي بتقنية عرض E Ink، ومفاتيح ذات استجابة صوتية ولمسية دقيقة، وحتى عناصر مستوحاة من عالم الطيران وسباقات الفورمولا 1.

فيراري إليتريكا / لوتشه
كانت فيراري أعلنت في أكتوبر الماضي عن بعض التفاصيل التقنية لسيارتها الكهربائية الأولى، وحمل المشروع آنذاك اسم إليتريكا Elettrica، أي كهربائي. والآن، وبعد الكشف عن الاسم المُعتمد، تبقى البيانات التقنية بلا إضافة.

ستضم لوتشه أكثر من 60 براءة اختراع. وستصنع القاعدة والهيكل لأول مرة بنسبة 75% من الألومنيوم المعاد تدويره، ما يوفّر نحو 6.7 طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل سيارة. وبالنسبة لنا، تُنبّئ القاعدة بموقع قيادة متقدّم، قريب من المحور الأمامي، أي أننا على الأغلب لن نرى سيارة خارقة بمقدمة طويلة. أما البطارية فمتموضعة في أرضية السيارة لتحقيق مركز ثقل منخفض — أقل بـ 80 ملم من أي طراز بمحرك تقليدي.
لكن الوزن المرتفع -2300 كلغ- وبالرغم من انخفاض مركز الثقل خلق تحديات كبيرة في امتصاص الصدمات، فجاء الحل باعتماد نظام تعليق مع مخامد تبدد الصدمات بعيدًا عن مناطق العُقد الهيكلية.

وفي الخلف، طوّرت فيراري أول هيكل فرعي مستقل في تاريخها لتقليل الضجيج والاهتزاز، مصنوع من قطعة واحدة ضخمة من الألومنيوم المُفرّغ، ويتيح صيانة نظام التعليق والبطارية بشكل مستقل.
يُلاحَظ أيضًا في الصور أن نظام التوجيه سيكون كهربائيًا لضبط العجلات على النحو الأمثل. أما ميلان المخامد فيشير لغطاء منخفض. هل تسعى فيراري لتصميم شيء مُشابه لـ شاومي SU7 ؟

محاور كهربائية E-Axles بتقنية الفورمولا 1
ستأتي السيارة بمحورين كهربائيين، كل منهما يضم محركين كهربائيين متزامنين بمغانط دائمة:
- المحور الأمامي: كثافة طاقة 3.23 كيلوواط/كلغ وكفاءة 93% عند أقصى قدرة، بوزن منخفض جدًا، وعاكس Inverter لا يتعدى وزنه 9 كلغ. أما القدرة فتبلغ 282 حصانًا (210 كيلوواط)
- المحور الخلفي: كثافة طاقة 4.8 كيلوواط/كلغ، وكفاءة مماثلة، مع قدرة تصل إلى 831 حصانًا (620 كيلوواط) وعزم دوران مذهل يبلغ 8000 نيوتن متر (عند العجلات طبعًا) في وضعية Performance Launch.
هذا يعني تسارعًا من الثبات إلى 100 كلم/ساعة في 2.5 ثانيتين، وسرعة قصوى تقارب 310 كلم/ساعة

بالنسبة للبطارية فهي مصمّمة في مارانيللو، وتُعد من الأفضل في فئتها من حيث الكثافة الطاقية التي تبلغ 195 واط/كلغ.
تحتوي على 15 وحدة تضم خلايا عالية الكثافة 305 واط/كلغ وسعة 159 أمبير.ساعة، بجهد تشغيلي يقارب 800 فولط وتيار أقصى يصل إلى 1200 أمبير. لكن هذه الأرقام ليست مفهومة للجميع، وقد يكون من الأفضل تبسيط الأمر والإشارة إلى المدى التشغيلي، والذي من المفترض أن يقارب 530 كلم.

نظام تعليق نشط وصوت مميز
ستستخدم فيراري الكهربائية الجيل الثالث من نظام التعليق النشط بجهد 48 فولط، وهو نسخة مطوّرة من النظام المستخدم في بوروسانغوي وF80. يوفر النظام تحكمًا مستقلًا بالعجلات، مع أفضل توزيع في المنعطفات.
لن تُضيف فيراري صوت محرك تقليدي كما فعلت هيونداي ومرسيدس وفيات وغيرها، بل تقول أنها اختارت إبراز الهوية الصوتية الطبيعية للمحرّكات الكهربائية؛ يلتقط مجس عالي الدقة الاهتزازات الميكانيكية من المحور الخلفي ويحوّلها إلى صوت واقعي يشبه أداء الغيتار الكهربائي، ما يمنح السائق تواصلاً حقيقيًا مع السيارة.
نهاية، ستُمثّل لوتشه محطة فارقة في استراتيجية فيراري التي انتقلت من السيارات الخارقة ذات المحركات التقليدية، إلى توفير أنظمة دفع هجينة، وطراز بوروسانغوي الكروس أوفر. ومع تأجيل الكشف الخارجي والمواصفات الكاملة إلى مايو 2026، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح فيراري في نقل شغف القيادة إلى عالم بلا نفط؟ ما رأيناه حتى الآن يوحي بأنها تأخذ الأمر بجدّية غير مسبوقة.



