تَعِد المحركات الكهربائية داخل العجلات بتوفير حيز أكبر للركاب والبطاريات، وتقليل مكونات نظام الدفع، والتحكم بعزم كل عجلة على حدة. وبين تطبيقات تجارية محدودة ومشروعات ما زالت قيد التطوير، نتساءل، أين وصلت هذه التقنية، وما الذي يؤخر انتشارها؟
الفكرة بسيطة في أساسها: وضع المحرك الكهربائي داخل العجلة التي يدفعها. ففي معظم السيارات الكهربائية، يُثبَّت المحرك على هيكل المركبة، وتنتقل حركته عبر تروس تخفيض ومجموعة تفاضلية وأنصاف محاور إلى العجلتين. أما هنا فتتولد الحركة عند العجلة نفسها، ويمكن الاستغناء عن عدد من المكونات التي تصل المحرك بها، أو دمج المحرك والعاكس ووحدة التحكم.
لا تعني تسمية “المحركات داخل العجلات” نوعًا مستقلًا من حيث المبدأ الكهرومغناطيسي، بل تصف موضع المحرك ليس إلا. وإذا تعرّفت على أنواع المحركات الكهربائية واختلافاتها، يمكن تصوّر استخدام المحركات داخل العجلات بتقنيات مختلفة مثل التدفق الشعاعي أو المحوري. كذلك فليس من الضروري أن تُزوّد جميع العجلات بمحركات، يمكن الاكتفاء بمحركين داخل العجلتين الخلفيتين للحصول على دفع خلفي مستقل لكل عجلة.
تتنوّع التصاميم بين تلك المرتبطة للعجلة مباشرة بلا تروس، فيما تستخدم أخرى محركًا أسرع دورانًا مع تروس تخفيض داخل الوحدة.
بأي حال، فالفكرة ليست جديدة على متابعي ArabsAuto. فقد تناولنا عجلات ميشلان النشطة Active Wheel، التي جمعت الدفع والكبح وعناصر من التعليق داخل العجلة، كما عرضنا حل بروتيان ProteanDrive للدفع المباشر ونموذج أوربيس Ring Drive على هوندا سيفيك تايب آر. أما اليوم فنود نقاش إمكانية تنفيذ الفكرة فعليًا وتحديد التطبيقات المحتملة.

ما الذي نكسبه، وما الثمن؟
أوضح المكاسب يتعلق بالحيز. فإخلاء المساحة التي تشغلها منظومة الدفع بين العجلات يمنح المصممين حرية أكبر في توزيع البطاريات والأمتعة ومكونات المركبة. وتزداد قيمة ذلك في مركبات التوصيل والحافلات الصغيرة والمركبات المصممة لغرض محدد، فكل مساحة إضافية تعود بمنفعة مباشرة.
المكسب الثاني هو التحكم. فعند تخصيص محرك لكل عجلة دافعة، يمكن تعديل عزمها مباشرة وفق التماسك المطلوب، والمساعدة على ضبط سلوك السيارة في المنعطفات وعلى الأسطح الزلقة. كما تتيح إزالة بعض التروس والمفاصل تقليل الطاقة المهدورة.
قد تكون التقنية مفيدة أيضًا لتحويل مركبة ما إلى كهربائية أو هجينة، بإضافة الدفع إلى عجلات لم تكن دافعة أصلًا. فمثلًا تقدم بيديو BEDEO برنامج Reborn Electric لتحويل مركبات تجارية، باستخدام محركين داخل العجلات، مع خيارات تشمل الاحتفاظ بنظام الدفع الأصلي (غالبًا الديزل). إنها منفعة عملية في مركبة تم اعتمادها وتجهيزها بدلًا من استبدالها بالكامل. المصدر بيديو.
في المقابل، تبرز مشكلة الكتلة غير المعلّقة؛ أي كتلة الأجزاء التي تتحرك مع العجلة عند مرورها فوق نتوءات الطريق، وتحت نظام التعليق. إن إضافة محرك هنا قد يجعل متابعة العجلة لتعرجات الطريق أصعب، ويزيد متطلبات ضبط التعليق للمحافظة على الراحة والتماسك. صحيح أن كتلة نظام الدفع ستنخفض إجمالًا، إلا أن الكتلة عند العجلة نفسها تزداد. ووفقًا لـ بروتيان أظهرت الاختبارات إمكان معالجة أثر هذه الزيادة، المصدر بروتيان.
لكن بيئة التشغيل قاسية. فالمحرك ومكوناته يجب أن تتحمل الصدمات والاهتزازات والماء والأتربة، وأن تشترك مع المكبح في حيز ضيق يحتاج إلى إدارة حرارية دقيقة. وبالنسبة لـ شركة أستيمو Astemo اليابانية (المصدر) فقد فضّلت التبريد بالهواء بدلًا من نظام التبريد بالزيت، الذي يحتاج إلى أنابيب ومكونات إضافية.
هناك أيضًا التكلفة: فقلة الأجزاء الميكانيكية لا يعني تلقائيًا انخفاض الكلفة في جميع الحالات. فإلى جانب المحركات وتكلفة التصنيع هناك الإلكترونيات والتبريد والتحكم، وعلى المالك اعتبار تكاليف الصيانة أيضًا. لذلك ينبغي تقييم المنظومة على مستوى المركبة كاملة، وهو ما تسعى ديب درايف الألمانية لتقييمه. (المصدر)

من يطور التقنية، ومتى تتوسع تطبيقاتها؟
من أبرز المتخصصين بروتيان إلكتريك Protean Electric، وأهم تطبيق عملت عليه هو رينو 5 توربو 3E التي تبلغ قدرتها 555 حصانًا من محركين على العجلتين الخلفيتين. هذه خطوة مهمة لأنها تُظهر التقنية لدى صانع كبير. المصدر إعلان رينو وبروتيان.
تواصل أيضًا شركة إيلاف Elaphe السلوفينية تطوير أنظمة المحركات داخل العجلات، وتقول إن تقنيتها اعتُمدت في ثلاث مركبات إنتاجية، وغالبًا تقصد لايت يير ولوردستاون إنديورانس وبانتيرا. وتشمل أعمالها الحالية طرازي Sonic وFrontier. المصدر إيلاف.
أما ديب درايف DeepDrive الألمانية. المدعومة من بي ام دبليو، فتطور محركات بتصميم ثنائي الدوّار، وتعرض حلولًا داخل العجلات إلى جانب محركات تُثبَّت على هيكل المركبة. حلول ديب درايف.
ولشركة أوربيس Orbis، التي عرفناها من خلال Ring Drive، تطورات تستحق الذكر، فقد أعلنت العام الماضي عن نظام HaloDrive بمحرك ذي تدفق محوري وتصميم قابل للتكييف لتطبيقات متعددة، بينها الدفع داخل العجلة. وتقول الشركة إنها “اختبرت” محركاتها على فولكس واجن ID.4 بالتعاون مع فريق الابتكار في المجموعة، إلى جانب تحويل مركبات قائمة وتطبيقات تجارية. المصدر إعلان HaloDrive، ومشروعات أوربيس.

نجد أيضًا للشركات الكبرى حصة؛ تطور هيونداي موبيس محركات داخل العجلات، وتوضح في بيان نشرته قبل شهرين أن التحقق من الاعتمادية والجدوى ما زال جاريًا قبل الإنتاج الواسع. أما أستيمو Astemo اليابانية فتطور وحدات لعجلات بقياسات 12 و16 و19 بوصة، بتبريد هوائي أو زيتي وفقًا للنموذج، وتستهدف إدخال تطبيقات التقنية نحو عام 2030. إعلان أستيمو
وفي التطبيقات المتخصصة، تعرض شايفلر Schaeffler وحدة PowerWheel وتصفها بأنها مستخدمة في تطبيقات إنتاجية للسيارات والمركبات العاملة خارج الطرق. وكان تركيزها حول مركبات الخدمات الصغيرة. المصدر شايفلر PowerWheel.
إلى ما سبق، تقدم فيرج Verge دراجات بمحرك حلقي داخل العجلة الخلفية، وتذكر أنها سلّمت دراجاتها إلى 11 دولة. وبذلك، توجد استخدامات تجارية فعلية، لكنها لا تمثل بعد انتشارًا واسعًا في سيارات الركوب.
لماذا لا تتوسع التطبيقات بسرعة؟
ببساطة لأن إثبات عمل التقنية لا يكفي لانتشارها. على الصانع أن يجد مكسبًا يبرر تطوير منظومة جديدة وضبط التعليق والكبح والتبريد لها، وإثبات متانتها، وتجهيز إنتاجها وصيانتها بكلفة تنافس الحلول القائمة. وتكون الحجة أوضح حين يوفر المحرك داخل العجلة حيزًا ثمينًا في مركبة تجارية، أو يتيح تحكمًا وأداءً مطلوبين في سيارة رياضية مرتفعة السعر.
من المُرجّح أن يكون الموعد الأقرب للتقنية في سيارات الركوب هو العام القادم، إذ تخطط رينو بدء تسليم 5 توربو 3E، بإنتاج محدود عند 1980 سيارة. ومن بعدها تأتي أهداف شركة أستيمو نحو عام 2030. وبناءً على ما سبق، يبدو أن التوسع سيبدأ من المركبات المتخصصة والتحويلات والسيارات الرياضية محدودة الإنتاج. أما وصول المحركات داخل العجلات إلى سيارات عائلية تُصنع بمئات الآلاف سنويًا، فلا يوجد له موعد موثوق يمكن تعميمه حتى الآن. نجاحها هناك سيتوقف على إثبات أن الحيز والأداء اللذين تضيفهما يستحقان كلفة دمجها وتشغيلها طوال عمر السيارة.








ولعل المفارقة الأجمل أن المحركات داخل العجلات تعيدنا إلى بدايات السيارة نفسها؛ ففي معرض باريس عام 1900، ظهرت لونر–بورشه بمحركين كهربائيين مدمجين في عجلتيها الأماميتين، ضمن تصميم طوّره فرديناند بورشه للاستغناء عن مكوّنات نقل الحركة بين المحرك والعجلات. وبعد أكثر من قرن، تعود الفكرة لتبحث عن مكانها في سياراتنا، مستفيدةً من إمكانات لم تكن متاحة لمبتكريها آنذاك. فإن نجحت الحلول الحديثة في تجاوز عقبات الوزن والكلفة والمتانة، فقد يكون مستقبل الدفع الكهربائي عودةً إلى إحدى أقدم بداياته.




