أحدث المواضيعخبر اليوممقالاتمواضيع رئيسية

جودة السيارات الألمانية، إلى أين؟

مقالات – قصي حازم

يقول البعض أن النجاح السابق في أحيانٍ يُشكّل جزءًا من المُشكلة، ونرى مُشكلةً في ألمانيا – بلد المهندسين، التي لم تنفك تؤكّد معادلتها: إذا كان قطاع السيارات بخير فستكون ألمانيا بخير. ولكن، هل قطاع السيارات الألمانية حاليًا بخير؟

كان لفترة طويلة أن تغنّى الجميع بجودة السيارات الألمانية، وبقيت علامات مثل مرسيدس-بنز وبي ام دبليو وأودي في قمة ترتيب استبيانات الجودة، دخلت لكزس في مراحلٍ وبقي الصيت للسيارات الألمانية. لكن العالم شهد تحوّلًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، ويبدو أن ألمانيا -وعلاماتها- لا تستطيع مواكبة هذا التغيير بما يكفي، ونتحدّث هنا عن السيارات الكهربائية بالكامل.

كانت قوانين الانبعاثات تزداد صرامة وتشدّدًا كل عام، وأصبح العالم متفهمًا لكون المُستقبل كهربائي بالكامل، لكن العلامات الألمانية التي احترفت تطوير محركات الاحتراق الداخلي لقرنٍ ونيّف تلكّأت بالانتقال للسيارات الكهربائية بالكامل، ورأت في ذلك تكاليف تطوير مُرتفعة جدًا، وميدان حربٍ جديدةٍ لا تعرف خباياه، وارتاحت “مُؤقتًا” لتاريخها المجيد وسمعتها الممتازة بصنع السيارات التي تُباع فعليًا؛ العاملة بمحركات احتراق داخلي.

محرك مرسيدس AMG بثماني أسطوانات

لا تستطيع الشركات تأجيل الأمر للأبد، وكان لا بُد من التغيير، وهُنا ظهرت المُشكلة!

وجدت العلامات الألمانية نفسها في موقف لا تُحسد عليه أمام تسلا المتطورة، وأمام العديد من العلامات الصينية الناشئة التي دعمتها السياسة الصينية للنهوض سريعًا، وجدت نفسها متأخرة فعلًا وأصبح لزامًا المُسارعة باللحاق.
لكن تكاليف تطوير مركبات كهربائية بسرعة مُكلفٌ جدًا، وحتّم تقليل المصاريف في نواحٍ أخرى، وعلى ما يبدو كان الحل بالكف عن السعي وراء الكمال!

جيل جديد يؤثر على الجودة

لم تستطع العلامات الألمانية تخصيص تمويلٍ كاف لتطوير السيارات الكهربائية دون التأثير على جودة سياراتها، كما أن بعض القوانين المُتعلّقة باستخدام مواد صديقة للبيئة لم يُتح للعلامات الألمانية تجريب المواد الجديدة كما في السابق. كنتيجة لما سبق، رأينا طرازات من مرسيدس-بنز تتحلّل أغلفة أسلاكها تلقائيًا قبل أن تُحال السيارة للتقاعد، ومواد رخيصة في مقصورات سيارات فولكس واجن، بل وحتى محركات عاملة بمحركات الاحتراق الداخلي لم تنال الوقت الكافي من التطوير والاختبار، فتراجع ترتيب العلامات الألمانية بشكل واضح في استبيانات الجودة.

بلاستيك رخيص سيء الطلاء في سيارات بورشه

ولى الزمن الذي اعتمدت فيه صناعة السيارات الالمانية على أمجادها، وبدأت أسطورة صنع في المانيا تتهمّش في نظر العامّة.

ثم هُناك أمر آخر، لم يكن للتسويق قبل عقود دور مهم عند اتخاذ القرارات والتخطيط للمنتجات، وكان المهندسون هم من يتحكمون في البحث والتطوير، كما كانوا يتحكمون في الإنتاج وبرامجه. وكما تتصوّر فقد اهتموا في المقام الاول بالجودة الهندسية. لكن ومع منتصف التسعينيات أصبحت المنافسة تزداد باستمرار واضطر المدراء الألمان لاستقطاب المزيد من أموال المساهمين، وهنا تغيرت الجودة بالتأكيد، فقد تقيّد عمل المهندسين والتوفير في الجودة لمزيد من المال في جيوب المساهمين.

وأمر ثالثٌ أيضًا، يتعلّق هذه المرّة بمُشكلة عامّة تؤرِّق مُعظم الصانعين وتؤثّر على اعتمادية طرازاتهم، فاستخدام الأنظمة المعلوماتية الترفيهية في السيارات جاء بالكثير من الشكاوى من المُستهلكين، ذلك بالرغم من أنه عنصر مُهمٌ ومطلوبٌ جدًا عند تسويق المُنتج، ولكن هذه الأنظمة تُقرر -من تلقاء نفسها- التوقف عن العمل، أو تعطيل خاصيّة ما، أو ببساطة عدم الاستجابة لمُدخلات السائق. هذه المشاكل تؤثر على جميع الصانعين ومنهم العلامات الألمانية أيضًا.

النظام المعلوماتي الترفيهي في فولكس واجن جولف

لا تزال “جاذبية العلامات الألمانية” حاضرة في قلوب العامّة وفقًا للدراسات التي تُجريها بعض المؤسسات ومنها دي جي باور، لكن الى متى سيظل بإمكان السيارات الألمانية الاعتماد على هذه السمعة مع وصول العديد من العلامات الحديثة للأسواق. تلك التي تُقدّم لك ما توفره مرسيدس بسعر يُقارب النصف، بل وتتفوّق في أحيان!

قد يقول البعض أن فيراري تبيع سياراتها لأنها حدَّدت منذ عقود الصورة التي تُعرف عليها حاليًا، فالناس يشترونها لأنها فيراري، وليس لأنها الأسرع على الإطلاق؛ تسلا أسرع منها، وكذلك كوينيجسيج وريماك ولوسيد وغيرها. لكن لا يُمكن تطبيق هذه المُعادلة تمامًا على العلامات الألمانية جميعها مثل فولكس واجن وأوبل.

الاستمرار بالتغنّي بأمجاد الماضي أمرٌ سهلٌ ومُغرٍ حقًا، لكن تأخرت ألمانيا في عملية التحول، وقد تدفع الثمن نتيجة لذلك.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى