في العام 2018 نشرنا موضوعًا عن التقنيات المُنتظرة في صناعة السيارات، وبعد عامين عدنا إلى الموضوع مع قائمة مُحدّثة أضفنا بها بعض التقنيات الأخرى. كان بعض تلك التقنيات أقرب إلى الخيال، لكن مع مرور الوقت وصلت بالفعل بعض التطبيقات لسيارات الإنتاج التجاري، وعليه، نعود هُنا لنرى ما الذي وصل وما المُتوقّع مُستقبلًا.
الطباعة ثلاثية الأبعاد
لنبدأ بالطباعة ثلاثية الأبعاد، فقد نجحت… ولكن ليس بالطريقة التي تصورناها تمامًا. أشرنا عام 2018 إلى مكابح بيوغاتي المصنوعة من التيتانيوم بالطباعة ثلاثية الأبعاد، وحتى الآن لم تصل هذه المكابح بعد للإنتاج.
لكن التقنية مُستخدمة بالفعل في بعض سيارات بي ام دبليو. هُناك آلية في السقف مصنوعة من الألمنيوم بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، ومؤخرًا قالت العلامة الألمانية إن مركزها للتصنيع الإضافي أنتج منذ افتتاحه أكثر من 1.6 مليون قطعة، إضافة إلى نحو 100 ألف قطعة سنويًا تُنتج في المصانع الأخرى، وإنها تستعد لإدخال تقنية WAAM للطباعة بالقوس والسلك في إنتاج بعض الأجزاء المعدنية الكبيرة بدءًا من 2027. أي أن الطباعة ثلاثية الأبعاد لم تستبدل المكابس وخطوط الصب كما كان البعض يتخيل، لكنها أصبحت أداة صناعية حقيقية تقلل الوزن تعقيد الإنتاج.
أما عمود السقف الأمامي الهجين الذي عرضته بورشه في 2018، فبقي في خانة البحث والتطوير، في حين أن دوّاسة المكابح المصنوعة من مواد مركبة بالطباعة ثلاثية الأبعاد ظلت مستخدمة.




زجاج غوريلا والزجاج متغير الشفافية
الزجاج الخفيف شديد المقاومة أصبح حقيقة؛ وتعرض كورنينغ Corning اليوم تطبيقات فعلية لزجاج غوريلا Gorilla Glass في سيارات مثل فورد GT وبعض نسخ بورشه 911 GT2 وGT3 RS وجيب رانجلر وجلادياتور وماكلارين 720S. أما فكرة أن تتحول النوافذ إلى أسطح إلكترونية، فقد سلكت مسارًا مختلفًا. فالزجاج المتغير الشفافية وصل فعلًا إلى الإنتاج (تعرّف على بعض التطبيقات).
وفي المقابل انتقلت معظم معلومات القيادة إلى الزجاج الأمامي بدل النوافذ الجانبية؛ ونظام بي ام دبليو بانوراميك فيجن على i3 وiX3 مثال إنتاجي واضح على عرض المعلومات على امتداد الجزء السفلي من الزجاج الأمامي.

بالنسبة للمواد المستدامة، فهي من أكثر التوقعات التي تحققت، استخدمت فورد فعلًا رغوة الصويا وقش القمح وقشور الأرز والكناف وألياف الأشجار في سيارات إنتاجية، في حين لم يصل جلد بنتلي المصنوع من الفطر وقناديل البحر للإنتاج.
الأهم أن مسار الصناعة تحرك من البحث عن «مادة نباتية غريبة» إلى مفهوم أكبر هو الاقتصاد الدائري. فولفو تستخدم الآن مثلًا كسوة من 30% صوف طبيعي و70% بوليستر مُعاد تدويره، إلى جانب ألياف الكتان، بينما أعلنت مرسيدس العام الحالي أنها ستستخدم في الجيل المقبل من سياراتها الكهربائية الكبيرة ألمنيوم Hydro CIRCAL المصنوع من 75% على الأقل من خردة الألمنيوم بعد الاستهلاك. بهذا تصبح إعادة المعدن من سيارة أو مبنى قديم إلى سيارة جديدة أهم صناعيًا من استعراض مادة عجيبة داخل المقصورة.

المقاعد المقولبة
نجحت المقاعد المقولبة أيضًا وتقنية Magna FreeForm التي عرضناها عام 2020 لم تبقَ نموذجًا؛ دخلت السوق فعلًا في كاديلاك XT5 منذ سنوات، وحصلت ماجنا لاحقًا على عقود لتجهيز سيارات أخرى. وهكذا تحقق الجزء الأساسي من التوقع: يمكن تشكيل الكسوة بصورة أقرب إلى تصميم قطعة واحدة بدل الاعتماد كليًا على القص والخياطة التقليديين.
الإلكترونيات المطبوعة
أما الأسطح الذكية والإلكترونيات المطبوعة، فتقدمت ولكنها لم تقضِ على الأسلاك والأزرار. لا تزال كاناتو Canatu التي تحدثنا عن تقنيتها المعتمدة على الأنابيب الكربونية النانوية CNT تنتج مكونات للسيارات، وقد سلمت أكثر من مليون مجس وفق بياناتها. وفي المقابل أعلنت تاكتو تيك TactoTek وفاليو Valeo مطلع العام برنامجًا إنتاجيًا كبيرًا لدمج الإضاءة والإلكترونيات داخل قطعة واحدة رقيقة بتقنية IMSE، وأصبح مفهوم “الإلكترونيات الهيكلية” الذي وصفناه قبل ست سنوات صناعة فعلية.
لكن ما يبدو أنه يتراجع هو الاعتقاد بأن أفضل مقصورة مستقبلية هي تلك الخالية تمامًا من الأزرار. تتضمّن قواعد Euro NCAP لعام 2026 تقييم واجهة الاستخدام التي تأخذ في الحسبان وضوح وسهولة تشغيل الوظائف الأساسية، بما في ذلك توافر أزرار مادية للوظائف كثيرة الاستخدام، بعدما أظهرت ملاحظات المستخدمين أن ذلك قد يقلل تشتت السائق. ولذلك سيكون المستقبل على الأرجح مزيجًا من الشاشة واللمس الارتدادي والأوامر الصوتية والأزرار التقليدية المنتقاة بعناية، لا شاشة لكل شيء.

نظام صوتي بلا سماعات؟
النظام الصوتي بلا سماعات ما زال حيًا، لكنه لم يصبح القاعدة. عادت كونتيننتال العام الماضي لتعرض نموذج Ac2ated Sound بنسخة تجعل زجاج الشاشة نفسه يهتز ويُصدر الصوت، وتقول إن تحويل أسطح المقصورة إلى مصادر صوت يمكن أن يخفض الحيز الذي يشغله النظام الصوتي حتى 90% والوزن بما يصل إلى 40 كلغ مقارنة بالأنظمة التقليدية الكبيرة. لكن عدم انتشار التقنية حتى الآن في عدد كبير من السيارات الإنتاجية يخبرنا أن الفكرة التقنية الجيدة لا تتحول بالضرورة بسرعة إلى معيار صناعي.

البطاريات الهيكلية
أما البطارية الهيكلية فقصة مختلفة تمامًا. في 2020 تحدثنا عن أبحاث جامعة تشالميرز لاستخدام ألياف الكربون نفسها لتخزين الطاقة. وبعد أربعة أعوام عرض الباحثون بطارية هيكلية كاملة من ألياف الكربون بكثافة طاقة بلغت 30 واط ساعي/كلغ وتحملت نحو ألف دورة مخبرية. إنه تقدم حقيقي، لكنه يؤكد أيضًا أن التقنية لا تزال بحثية؛ فكثافة الطاقة بعيدة عن خلايا السيارات الحالية ومتطلبات الإصلاح والحوادث والإنتاج واسع النطاق معقدة جدًا.
المفارقة أن صناعة السيارات تبنت في الوقت نفسه معنى آخر لعبارة “بطارية هيكلية”: وأصبحت تصاميم Cell-to-Pack وCell-to-Chassis التي تتخلص من الوحدات الوسيطة وتدمج الخلايا مباشرة في صندوق البطارية أو في بنية المركبة. وهذه موجودة بالفعل في السوق، لكن لا ينبغي الخلط بينها وبين حلم أن يصبح لوح ألياف الكربون نفسه بطارية.

الأبواب كهربائية التشغيل
تحققت الأبواب الكهربائية أيضًا. ولم نحتج حتى إلى انتظار أساطيل سيارات الأجرة ذاتية القيادة لتبرير الفكرة؛ فـ بي ام دبليو الفئة السابعة الحالية تتيح أبوابًا تفتح وتغلق كهربائيًا، والنسخة المحدثة في 2026 تستخدم مجسات رادار لرصد العوائق ومستخدمي الطريق القادمين من الجانب. ما كان يُقدَّم قبل سنوات كتجهيز لمركبات المستقبل أصبح اليوم ميزة راحة وسلامة في سيارة فاخرة.

الشحن الحثّي
بالمُقابل، لم يصبح شحن الهاتف من أي مكان في المقصورة ظاهرة عامة كما تصورنا. ما نجح تجاريًا حتى الآن هو الشحن الاستقرائي قريب المدى في مواضع محددة. وعلى مستوى السيارة نفسها أصبح الشحن اللاسلكي للمركبات تقنية معيارية أكثر نضجًا؛ فقد حدد معيار SAE J2954 متطلبات التشغيل البيئي والسلامة والشحن اللاسلكي للسيارات حتى 11 كيلوواط حاليًا مع تصور مستويات أعلى مستقبلًا. بعبارة أخرى، نجح مبدأ نقل الطاقة لاسلكيًا، لكن الاستخدام الذي توقعناه داخل المقصورة لم يتحول بعد إلى بديل شامل للأسلاك ومواقع الشحن المحددة.

مرشّحات غبار المكابح
وأخيرًا، غبار المكابح، هذه واحدة من الأفكار التي انتقلت من “اختراع غريب” إلى قضية تشريعية، فقد نظمت متطلبات Euro 7 انبعاثات جسيمات المكابح، بل نشرت المفوضية الأوروبية في 3 سبتمبر الحالي لائحة اختبار محدثة تتناول صراحة حتى المكابح المزودة بمرشحات خفض الانبعاثات السلبية أو النشطة. لقد انتقلت المشكلة إذن من أجنحة المعارض إلى المختبرات القانونية التي ستحدد صلاحية السيارات للبيع.

ما الذي سيغيّر سيارة العقد المقبل؟
لا شاشات تقليدية بعد الآن
سنبدأ بتقنية متطرفة جدًا: الاستغناء عن الشاشة نفسها. ففي تقنية Holographic Windshield Display التي تطورها شركة زايس ZEISS، تُدمج طبقة فوتوبوليمر رقيقة تحتوي عناصر بصرية هولوغرافية داخل الزجاج الأمامي، بينما يرسل جهاز عرض ليزري صغير الضوء إليها. وبدل مجموعة المرايا والعدسات الضخمة التي يحتاجها نظام عكس المعلومات على الزجاج الأمامي HUD التقليدي، تقول زايس إن وحدة النظام يمكن أن تشغل أقل من 1.5 لتر، مع نفاذية للزجاج تتجاوز 92% وسطوع يتجاوز 10 آلاف نت.
الأغرب أن المعلومات لا يجب أن تكون مرئية لجميع الركاب؛ يمكن ضبط العناصر الهولوغرافية بحيث يرى السائق بيانات الملاحة مثلًا داخل مجال رؤية محدد بينما يرى الراكب محتوى مختلفًا، وتختفي الصورة تمامًا خارج مجال الرؤية المقصود. وتقول ZEISS إن التقنية قادرة من ناحية العنصر البصري على مواكبة دقة 4K وما بعدها.
الحقيقة أن المسألة لم تعد مجرد نموذج في معرض؛ فقد شكلت ZEISS وtesa وSaint-Gobain Sekurit وHyundai Mobis في فبراير الماضي تحالفًا لإعداد سلسلة التوريد الكاملة للتقنية، من تصنيع الفيلم الهولوغرافي إلى دمجه في الزجاج ونظام الإسقاط، بهدف بدء الإنتاج المتسلسل في 2029. فإذا نجح المشروع، فقد يصبح الزجاج الأمامي أكبر شاشة في السيارة… من دون أن يبدو شاشة عندما تكون السيارة مطفأة.

أسطح تدمج وظائف الأزرار والإضاءة والشاشات خلفها!
قد تصبح أيضًا عبارة “لوحة التحكم” نفسها قديمة. فبدل أن تكون أمامنا قطعة بلاستيكية ثم نثبت فوقها شاشة وأزرارًا ومصابيح، تتجه الصناعة إلى جعل المادة نفسها جزءًا من الواجهة. تعرض كونتيننتال مثلًا أسطحًا يمكن دمج المجسات والتسخين والأزرار والشاشات والإضاءة خلفها مباشرة، بحيث يبقى السطح خشبي المظهر أو مكسوًا بمادة ناعمة عندما لا تكون الوظيفة مستخدمة، ثم تظهر الأيقونة أو الإضاءة من تحته عند الحاجة.
وتوجد بالفعل مواد مثل Acella Hylite تسمح بمرور الضوء مع احتفاظ السطح بنقشه وشكله عندما يكون مطفأ، فيما عرضت كونتيننتال في نموذج AMBIENC3 أسطحًا مقاومة للاهتراء وبعضها قادر حتى على إصلاح أضرار سطحية ذاتيًا. وبذلك قد لا تكون مقصورة المستقبل مغطاة بالمزيد من الشاشات؛ بل قد تختفي الشاشة والزر داخل المادة نفسها.

سيارات مُعرّفة بالبرمجيات
لكن إن كان علينا اختيار التقنية الأكثر أهمية، فقد لا تكون بطارية جديدة ولا محركًا خارقًا، بل الهيكلية الإلكترونية للسيارة بالكامل. تراكمت في السيارات التقليدية عشرات وحدات التحكم الإلكترونية، كل منها مسؤول عن وظيفة أو مجموعة وظائف، ومعها كيلومترات من الأسلاك. أما الاتجاه الجديد فيتمثّل بتجميع الحوسبة في بضعة حواسيب مركزية وربط أجزاء السيارة بوحدات مناطق Zonal Controllers. في نيويه كلاسه Neue Klasse مثلًا تستخدم بي ام دبليو أربعة حواسيب عالية القدرة تطلق عليها Superbrains، تقلل طول الأسلاك بنحو 600 متر والوزن بنحو 30% مقارنة بالجيل السابق، مع إمكانية تحديث البرمجيات لمزيد من الوظائف لاحقًا. وهذه هي السيارة المُعرّفة بالبرمجيات Software-Defined Vehicle بصورة عملية.
سيؤثر هذا التغيير في كل شيء تقريبًا؛ فالسيارة لن تحتاج وحدة إلكترونية منفصلة لكل وظيفة كما في الماضي، وستتمكن الأنظمة المختلفة من مشاركة المعلومات والتصرف كوحدة واحدة. المقود والمكابح والتعليق والمحركات والإطارات ستصبح أجزاء من نظام تحكم متكامل يمكن تعديل شخصيته برمجيًا.

القيادة بالأسلاك وإطارات ذكية
هنا يأتي عصر القيادة بالأسلاك Drive-By-Wire. كانت أنظمة دواسة الوقود الإلكترونية البداية، لكن الفصل الميكانيكي وصل الآن إلى المقود والمكابح. دخلت لكزس RZ السوق بتقنية التوجيه بالأسلاك Steer-by-Wire، وبدأت شركة ZF العام الماضي إنتاج نظام مماثل لـسيارة نيو ET9 دون وصلة ميكانيكية مباشرة بين المقود والعجلات، بينما أعلنت مرسيدس أن EQS المُحسّنة ستتيح التوجيه بالأسلاك. وفيما يخص الكبح، حصلت ZF على عقد لنظام مكابح كهروميكانيكي Brake-by-Wire مخطط لاستخدامه في قرابة خمسة ملايين سيارة خلال مدة المشروع.
لماذا يهم ذلك؟ لأن نسبة التوجيه لم تعد قطعة معدنية ذات علاقة ثابتة؛ يمكن للبرمجيات أن تجعل المقود سريع الاستجابة عند الاصطفاف وأكثر هدوءًا على الطريق السريع، وتفتح المجال أمام أشكال جديدة للمقود وتصميم المقصورة. وعندما يجتمع ذلك مع مكابح إلكترونية وتعليق نشط، تصبح “شخصية” الهيكل قابلة للبرمجة بدرجة لم تكن ممكنة سابقًا.

بدأت مرحلة التعليق النشط أيضًا. فنظام بورشه Active Ride في باناميرا يستخدم مضخة هيدروليكية كهربائية مستقلة لكل ممتص صدمات لتوليد القوى في اتجاهي الانضغاط والارتداد، والتحكم بحركة الجسم وتوزيع الحمل على العجلات ومقاومة الميل الطولي والعرضي. لا نتحدث هنا عن ممتص صدمات “أقسى أو أنعم” وحسب، بل عن هيكل يولّد قوى فعّالة للتحكم بحركة السيارة.
وحتى الإطار سيتحول إلى مجس. تحتوي إطارات بيريللي سايبر تاير Cyber Tyre مجسّات تقيس الضغط والحرارة والحمل وحالة الإطار، ثم تمرر المعلومات إلى أنظمة السيارة؛ وقد أعلنت أستون مارتن أنها ستدمج التقنية في طرازات مستقبلية بالتعاون مع بيريللي وبوش لتستفيد منها أنظمة ABS وESP والتحكم بالجر.

وعلى الطرف الآخر، فإن الإطارات الخالية من الهواء لم تتقدم بالسرعة التي توقعها البعض. فـ ميشلان لا تزال تصف UPTIS بأنها نموذج مبدئي Prototype، رغم أن نماذجها التجريبية قطعت أكثر من 4.5 مليون كلم حتى نهاية 2023 واستمرت الاختبارات الواقعية حتى نهاية 2025. لذا لا يوجد حتى الآن ما يبرر القول إن الإطار الهوائي التقليدي في طريقه إلى الاختفاء قريبًا.
بطاريات متنوّعة
أما البطاريات، فالخطأ الأكبر سيكون انتظار بطارية واحدة لجميع الاستخدامات. فالاتجاه الحالي هو تعدد الكيميائيات بحسب المهمة. خلايا ليثيوم فوسفات الحديد LFP تواصل التحسن، وخلايا الصوديوم أيون بدأت مرحلة التوسع الصناعي، فيما تشير وكالة الطاقة الدولية إلى وصول أفضل خلايا الصوديوم الحديثة إلى نحو 175 واط ساعي/كلغ مقابل نحو 205 واط ساعي/كلغ لخلايا LFP الحديثة و265 واط ساعي/كلغ لخلايا NMC. لكنها تتمتع بأداء قوي في درجات الحرارة شديدة الانخفاض وتقلل الاعتماد على الليثيوم، ولذلك قد تكون منطقية في السيارات الصغيرة والمركبات التجارية الحضرية التي لا تحتاج لمدى طويل.

وبطاريات الحالة الصلبة هي الأخرى أقرب من السابق، لكنها ليست على وشك اكتساح السوق فورًا. تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن التصاميم التي تحقق معظم المزايا المنتظرة من الحالة الصلبة الكاملة لا تزال في مرحلة النماذج والاختبارات محدودة النطاق، وأن تعقيد التصنيع وكلفته ومتطلبات الضغط الميكانيكي داخل صندوق البطارية ما زالت تحديات حقيقية. وترصد الوكالة خطط شركات مثل تويوتا لإطلاق أولى تطبيقاتها بحلول 2028، لكنها تتوقع بقاء هذه البطاريات محصورة بدرجة كبيرة في القطاعات الأعلى سعرًا خلال النصف الأول من ثلاثينيات القرن الحالي.
لذلك ستأتي الزيادة الحقيقية في المدى والكفاءة من مجموعة تحسينات متزامنة: كيمياء الخلية، والتخلص من المكونات غير الضرورية عبر أسلوبي Cell-to-Pack وCell-to-Chassis، وتحسين التبريد والإدارة الحرارية، ورفع كفاءة المحرك وإلكترونيات القدرة، وتقليل وزن السيارة ومقاومة الهواء.
ومحركات كهربائية جديدة
حتى المحرك الكهربائي نفسه لم يصل إلى صورته النهائية. فقبل أشهر بدأت مرسيدس الإنتاج واسع النطاق لمحرك كهربائي ذي تدفق محوري Axial Flux في مصنع برلين، ليظهر إنتاجيًا للمرة الأولى لديها في مرسيدس ايه ام جي GT 4-Door الجديدة. تسمح هذه المحركات بكثافة مرتفعة من القدرة والعزم في حيز صغير، ولذلك قد تنتشر خصوصًا في السيارات التي تكون فيها القدرة والوزن والحجم عوامل حاسمة.

وفي الاتجاه المقابل تعمل الصناعة أيضًا على تقليل الاعتماد على المغانط الدائمة والعناصر الأرضية النادرة. فمثلًا تعرض شركة ZF الألمانية محرك I2SM ذي الإثارة الحثية داخل الدوار بقوة تصل إلى 325 كيلوواط وعزم 580 نيوتن متر، دون مغانط أو عناصر أرضية نادرة في الدوار. لا يعني ذلك أن هذا النوع سيستبدل جميع المحركات الأخرى، وإنما أن “محرك السيارة الكهربائية” نفسه سيتفرع إلى حلول مختلفة بحسب الكلفة والكفاءة والأداء وتوفر المواد.
الصب العملاق
وسيتغير المصنع قبل أن تتغير السيارة أحيانًا. تعمل العديد من الشركات على تطبيق تقنية الصب العملاق Giga Casting لدمج عشرات الأجزاء المعدنية في مصبوبات كبيرة، وطورت تويوتا طريقة لتبديل قوالب الصب في نحو 20 دقيقة بدل قرابة 24 ساعة بحسب بياناتها. ولن تكون النتيجة بأن تتحول كل السيارات لوحدات مصبوبة في قطعتين أو مطبوعة بطابعة ضخمة، بل أن المصنّع سيختار الطريقة الأسهل والأقل تعقيدًا لتحقيق فائدة اقتصادية وهندسية حقيقية.

سيتغير أيضًا مفهوم الشحن. فقد أصبح الاتصال بين السيارة والشاحن أكثر ذكاءً، ومعيار ISO 15118-20 يدعم الاتصال اللازم لنقل الطاقة ثنائي الاتجاه، ما يفتح المجال لتقنيات نقل الكهرباء إلى الشبكة Vehicle-to-Grid وغيرها. وقبل أشهر نُشر تعديل للمعيار يضيف خدمات مرتبطة ويحسن مفهوم الأمان.
المصابيح، من الإنارة للتواصل
من جهة أخرى، ستتحول المصابيح من وسيلة للإنارة إلى وسيلة للاتصال. بدأت أودي بالفعل بذلك في طراز كيو 5، حيث تتكون المصابيح الخلفية Digital OLED 2.0 من مئات القطع القابلة للتحكم، ويمكنها عرض أنماط تحذير مرتبطة بحالات مثل الأعطال والتوقف الطارئ ومساعد الاصطفاف. ومع زيادة دقة هذه المصابيح يصبح السطح الضوئي الخارجي أقرب إلى شاشة محدودة يمكن للسيارة استخدامها للتواصل مع من حولها.

والمزيد من المجسّات
كما ستحتاج السيارة التي ترى وتفهم محيطها إلى عدد متزايد من المجسّات، لكن ليس بالضرورة إلى النوع نفسه في كل سيارة. الرادار أصبح بالفعل تقنية جماهيرية؛ فمثلًا أعلنت كونتيننتال في 2025 تجاوز إنتاجها 200 مليون رادار. وفي الوقت نفسه تشدد Euro NCAP اعتبارًا من 2026 على مراقبة السائق نفسه، بما فيها تتبع العينين والرأس وربط حالة السائق بعمل أنظمة المساعدة، مع نقاط إضافية للأنظمة القادرة على اكتشاف عدم استجابة السائق وإيقاف السيارة بأمان. وهنا يصبح الجزء الداخلي من السيارة أيضًا جزءًا من نظام الإدراك، لا البيئة الخارجية وحدها.
الهيدروجين والوقود الصناعي
أما الهيدروجين، فلم يمت ولكنه يغير موقعه في المعادلة. طورت تويوتا جيلًا ثالثًا من نظام خلايا وقود الهيدروجين يرتكز بصورة واضحة على متطلبات المركبات التجارية، وتعمل مع ايسوزو على شاحنة خفيفة بخلايا الوقود يستهدف بدء إنتاجها العام القادم 2027. وفي الوقت نفسه تخطط بي ام دبليو لأول سيارة بخلايا الوقود تُنتج على نطاق واسع لديها في 2028 بالتعاون مع تويوتا. هذه المشاريع لا تثبت أن الهيدروجين سيستبدل البطاريات؛ بل تشير إلى أن استخدامه قد يكون أكثر إقناعًا في التطبيقات ذات التشغيل الطويل والحاجة إلى إعادة تزويد سريعة بالطاقة، إذا توفرت البنية التحتية المناسبة.
كما يطرح الوقود الصناعي eFuel قصة مشابهة. بدأ مصنع Haru Oni التجريبي في تشيلي إنتاج الوقود الصناعي أواخر 2022، واستخدمت سباقات بورشه Mobil 1 Supercup وقودًا صناعيًا في موسم 2024. لكن هذا لا يعني أن الوقود الصناعي سيجعل من المنطقي تحويل كل السيارات الجديدة المستقبلية إلى محركات بنزين.
ما الذي نستنتجه من كل ذلك؟
قبل ثماني سنوات كان من السهل تصور سيارة المستقبل باعتبارها سيارة اليوم مضافًا إليها زجاج تفاعلي، ومكونات مطبوعة ثلاثيًّا، وبطارية خارقة وبعض الشاشات. أما الصورة في 2026 فأصبحت أوضح بكثير: التغيير الأهم يحدث في البنية نفسها.
ستحتوي السيارة على عدد أقل من وحدات التحكم المنفصلة، وحواسيب مركزية أقوى. سيصبح المقود والمكابح والتعليق والمحركات والإطارات أجزاء مترابطة داخل نظام برمجي واحد. وستستخدم البطاريات أنواعًا مختلفة من الكيمياء بدل انتظار وصفة سحرية واحدة، وتدخل المواد المُعاد تدويرها في قلب الهيكل، بينما تصبح الجسيمات الناتجة من المكابح والإطارات جزءًا من قوانين الانبعاثات بعد أن كان التركيز منصبًا على مخرج العادم وحده.
في المقابل، أثبتت السنوات الماضية أن علينا الحذر عندما تقدم لنا الشركات نموذجًا أوليًا على أنه صورة حتمية للمستقبل. فمكابح بيوغاتي المطبوعة لم تصبح حتى الآن معيارًا صناعيًا، والبطارية المصنوعة من جسم السيارة لم تغادر المختبر، والإطار الخالي من الهواء ما زال نموذجًا، والمقصورة الخالية تمامًا من الأزرار بدأت الصناعة نفسها تعيد التفكير فيها.
وربما يكون دمج الوظائف هو الخيط الذي يجمع معظم تقنيات سيارة المستقبل. فبدل تركيب زجاج ثم شاشة ثم مصباح، يصبح الزجاج نفسه قادرًا على أداء الوظائف الثلاث. وبدل كسوة باب وزر ومصباح ومجس، تُدمج كلها في سطح واحد. وبدل بطارية منفصلة داخل هيكل، تقترب البطارية أكثر من أن تصبح جزءًا منه. وبدل إطار ينقل القوى فقط، يصبح الإطار نفسه مصدرًا للبيانات. وبذلك لا تعني التقنية المستقبلية بالضرورة إضافة المزيد إلى السيارة؛ في كثير من الأحيان تعني العكس تمامًا: قطع أقل تؤدي وظائف أكثر.
لذلك ربما لن تكون سيارات 2035 أغرب كثيرًا في شكلها مما نراه اليوم. لكن عندما ترفع لوحًا من ألواح الجسم، أو تتبع مسار سلك، أو تفكك بطارية، أو تتعرف كيف تحرك السيارة عجلاتها وتضغط مكابحها وتعرف حالة الطريق، فستجد أن الآلة التي نطلق عليها ببساطة اسم “سيارة” تغيرت من الداخل بالكامل تقريبًا.
ومرة أخرى… ما خفي كان أعظم.
يمكنك التعرف على مزيد من الاختراعات المتعلقة بالسيارات عبر الرابط هنا.



