تخيّل أن نغطي شعارات عشر سيارات كهربائية حديثة وننظر إليها من الأمام فقط. كم واحدة منها يمكن التعرف عليها فورًا؟
كان هذا الاختبار سهلاً قبل سنوات قليلة. كليتا بي ام دبليو، وواجهة لكزس المغزلية، وشبك ألفا روميو المثلث وأودي أحادي الإطار، وحتى أشكال شبكات مرسيدس المختلفة كانت تكفي أحيانًا لمعرفة السيارة قبل رؤية الشعار. لكن السيارات الكهربائية غيرّت الكثير، والمقدمة التي كانت طوال عقود بمثابة “وجه” السيارة فقدت أحد أهم مكوناتها الوظيفية والبصرية، وفي الوقت نفسه بدأت الشركات تتبنى حلولًا متشابهة للدلالة على الحداثة والكفاءة.
هذه الملاحظة ليست انطباعًا صحفيًا وحسب. فمؤخرًا أكد بارت فان لوترينغن، مدير تصميم DAF Trucks، في مقابلة مع الزملاء في كار ديزاين نيوز السيارات الكهربائية خرجت بتصاميم يصعب التمييز بينها، وإن واجهاتها أصبحت باهتة إلى درجة يمكن معها استبدال واحدة بأخرى، مضيفًا أن الأمر يكاد يجعل هوية العلامة التجارية شيئًا من الماضي.
وهذا التصريح يتوافق مع ما ذكره كبار المصممين فعليًا.

سيارات كهربائية بلا وجه
لم يكن شبك المقدمة مجرد فتحة لإدخال الهواء إلى المحرك. فعلى مدى عقود تحوّل تدريجيًا إلى واحد من أقوى رموز شركات السيارات. ففي دراسة منشورة في مجلة Design Studies تبيّن أن المنظر الأمامي هو الأكثر نجاحًا في نقل هوية العلامة، وأن المصابيح وشبك المقدمة من أكثر التفاصيل تأثيرًا في قدرة الناس على التعرف عليها. كما أكدت دراسة أحدث نُشرت العام الماضي في Advanced Engineering Informatics الدور المحوري للواجهة الأمامية في توريث السمات البصرية الخاصة بالعلامة من جيل إلى آخر.
وفي حين أن السيارة الكهربائية لا تستغني عن فتحة التبريد؛ فالبطارية والمحركات الكهربائية وإلكترونيات القدرة تحتاج جميعها إلى إدارة حرارية، إلا أن حاجتها أقل بكثير. وهنا أصبح بإمكان المصممين إغلاق مساحة كانت أكبر عنصر بصري… وبدأت المشكلة. لم تكن هناك أفكار جاهزة لتعويض ما فُقِد، وسارت عديد من الشركات بالاتجاه نفسه.

يقول فان تشانغ، رئيس التصميم في GAC، إنه وفي بداية عصر السيارات الكهربائية، كان المصممون يغلقون الشبك للحصول على “وجه” كهربائي، ويجعلون المصابيح أكثر خطية لإعطاء إحساس تقني متقدم. لكن هذا الأسلوب فقد قدرته على التفرد بسرعة، فالجميع يفعل شيئًا مشابهًا. ويضيف أن تقليل العناصر المتاحة في المقدمة يجعل صناعة صورة قوية ومختلفة للعلامة أصعب.
وهكذا وُلد تقريبًا تعريف غير مكتوب لشكل “السيارة الكهربائية”؛ واجهة مغلقة، مصابيح رفيعة مع شريط إضاءة بعرض السيارة، وأسطح قليلة الخطوط، ومقابض أبواب مخفية، وعجلات بتصميم يقلل مقاومة الهواء وسقف ينساب تدريجيًا نحو الخلف. ومباشرة بدأت عشرات الشركات تستخدم هذا التعريف، ليصفه شاو جينغفنغ، رئيس التصميم في SAIC، بتعبير “تصميم بلا وجه”.
المشكلة لم تكن في أن السيارات أصبحت كهربائية، بل في أن الشركات حاولت جعلها تبدو كهربائية.

وهناك عامل آخر أكثر تأثيرًا على رغبات المصممين؛ المدى. فمقاومة الهواء تعني استهلاكًا إضافيًا وتقليلًا للمدى، وبهذا أصبحت الانسيابية أكثر أهمية مع تطوير اسيارات الكهربائية. وتقول مرسيدس-بنز على سبيل المثال، إن خفض معامل الانسيابية Cd بمقدار 0.01 فقط يمكن أن يزيد مدى القيادة لمسافات طويلة بنحو 2.5%. وعليه، فليست مصادفة أن تصل سيارات مثل EQS الكهربائية إلى معامل ممتاز يبلغ 0.20 فقط.
والهواء لن يُفرّق بين العلامات التجارية. وإن طلبنا من فرق مختلفة حل المشكلة الفيزيائية نفسها -تقليل منطقة الضغط في المقدمة، وتوجيه الهواء بسلاسة حول العجلات، ومنع انفصال التدفق في الخلف- فستظهر بطبيعة الحال تصاميم متشابهة.
كما أن البطارية تضيف تحديًا آخر. فقد أشار فولفغانغ إيغر، مدير التصميم العالمي في BYD، إلى أن البطاريات الموضوعة تحت الأرضية يمكن أن تزيد ارتفاع السيارة بنحو 100 ملم مقارنة بسيارة بمحرك احتراق داخلي، معتبرًا أن جزءًا من مهارة المصمم يتمثل في جعل هذا الارتفاع غير ملحوظ بصريًا.
ويفسر ما سبق بعض النسب التي تتكرر في السيارات الكهربائية الحديثة: قاعدة عجلات طويلة، وأرضية أعلى، وعجلات كبيرة نسبيًا وبروزان أمامي وخلفي قصيران.
وهنا تظهر المفارقة: حرر المحرك الكهربائي المصمم من محرك الاحتراق الكبير في المقدمة، لكن البطارية وضرورات الانسيابية فرضتا مجموعة مختلفة من القيود.
ثم جاءت صناعة السيارات بقيد آخر، وهو أن أن يعرف العميل فورًا أن السيارة التي أمامه كهربائية. وهكذا، صار الجميع يتبع نمط تسلا للوصول إلى ما أصبح رمزًا للسيارات الكهربائية الحديثة ثم يضيف علامته إليها.

شركات تبحث عن وجوهها من جديد
يرى برايان نيسبيت، نائب رئيس التصميم العالمي في جنرال موتورز، أن الصناعة تجاوزت هذه المرحلة. وقال إن السيارات الكهربائية كانت في فترة ما تمتلك هوية تصميمية خاصة بها. أما بالنسبة إليه، فنوع نظام الدفع لا ينبغي أن يحدد شكل السيارة، والأهم هو اتساق شخصية العلامة وقيمتها. في حين قال غوردن فاغنر رئيس التصميم في مرسيدس واصفًا السوق بأنه أصبح “بحرًا من التشابه”، مليئًا بسيارات بلا وجوه أو هوية حقيقية، وقال إن المرحلة التالية من لغة مرسيدس التصميمية، المسماة Sensual Purity 2.0، ستعيد التركيز بصورة أكبر على العناصر التاريخية والأيقونية للعلامة.
وتقوم أودي بشيء مشابه ولكن بأسلوب مختلف. فعندما تولى ماسيمو فراشيلا قيادة قسم التصميم، أعاد فريقه دراسة عناصر تصميم أودي. لذا، وعند تطوير كونسبت C (تحوّلت لاحقًا إلى نوفولاري) عاد إلى عنصرين تاريخيين: العمودية المستوحاة من سيارة السباق أوتو يونيون تايب C، والشبك أحادي الإطار الذي أصبح جزءًا من هوية أودي منذ العقد الأول من الألفية، لكن مع تعديله ليضم مجسّات ضرورية حديثة.





تتخذ بي ام دبليو مسارًا مقاربًا مع نيويه كلاسه. فبدل التخلص من الكليتين الشهيرتين، أعادت العلامة تفسيرهما ضمن واجهة جديدة، وحافظت في الوقت نفسه على عناصر أخرى أقدم من الكهرباء بكثير مثل انحناءة هوفمايستر Hofmeister في النافذة الجانبية.

أما فولفو فاختارت أن تنقل جزءًا من هوية السيارة من الشبك إلى المصابيح. فمع تراجع أهمية الشبك في السيارات الكهربائية صار توقيع مطرقة ثور Thor’s Hammer الضوئي أكثر أهمية. ولهذا تستطيع EX90 مثلًا الاحتفاظ بشخصية فولفو حتى مع واجهة شبه مغلقة بالكامل

في المقابل، اتخذت هيونداي رابطًا بصريًا في عناصر المصابيح، فجعلت Parametric Pixels رابطًا بين سيارات أيونك الكهربائية المختلفة. والفكرة مهمة لأنها لا تفرض على أيونك 5 وأيونك 6 الشكل الخارجي نفسه؛ الأولى صندوقية تقريبًا ومستوحاة من الماضي، والثانية سيارة انسيابية شديدة النعومة، لكن وحدات الإضاءة ذات البكسلات تعطيهما صلة عائلية واضحة.


وربما تعطي علامة ريفيان الأمريكية مثالًا أفضل على أن اختفاء الشبك لا يعني بالضرورة اختفاء الهوية. فالعلامة ليس لديها تاريخ تستند إليه أصلًا. ويقول رئيس التصميم الكندي لبناني الأصل جيف حمود إن تصميم المقدمة كان أكبر تحدٍ لأن الشاحنات التقليدية تعتمد على الشبك الكبير لإظهار القوة وتمييز العلامة. انتهى فريقه إلى المصابيح العمودية البيضاوية التي تتقاطع مع شريط أفقي، والنتيجة واجهة يمكن التعرف عليها من مسافة بعيدة وربما دون الحاجة إلى رؤية الشعار.

وقد تكون أكثر الحلول براعة جاءت من رينو وسيترون، لأنها اختارت ألا تجعل التكنولوجيا هي البطل. فـ رينو 5 استخدمت تصميم السبعينيات كنقطة انطلاق لرسم المصابيح وأقواس العجلات والمصابيح الخلفية العمودية وحتى فتحة غطاء المحرك القديمة، التي تحولت في السيارة الجديدة إلى مؤشر رقمي لحالة شحن البطارية.
ورغم أن رئيس التصميم السابق جيل فيدال أفاد بأن أفضل الحلول الانسيابية التقليدية لا تتناسب وشكل رينو 5، إلا أن فريقه عمل لإيجاد حلول تقنية تحقق الفائدة دون تغيير شخصية السيارة.

أما سيتروين فقد كانت من الجسارة أن جاءت بالاختبارية أولي Oli عام 2022 مع زجاج أمامي عمودي تمامًا، موضّحة أن الانسيابية ليست كل شيء للسيارات المُخصصة للمدن، وبسرعات أقل من 60 كلم/ساعة.

وربما تمهّد الأمثلة السابقة أشكال السيارات الكهربائية القادمة. فبعد مرحلة حاولت فيها الصناعة أن تجعل السيارة الكهربائية تبدو كهربائية، يبدو أن المصممين اكتشفوا حقيقة أبسط، فالمشتري لا يحتاج الآن إلى تصميم خاص ليعرف أن السيارة تعمل بالبطارية. إن المرحلة الأولى من تصميم السيارات الكهربائية أفقدت العلامات هويتها، لكن تحسن البطاريات، وانخفاض سماكتها، وتطور تقنيات الانسيابية النشطة، والإضاءة الرقمية والأسطح الذكية، ستزداد الأدوات المتاحة للمصمم من جديد. ورُبما سيكون بمقدورك التعرف على هوية السيارة حتى لو أخفينا علامتها.



