أحدث المواضيعخبر اليوممقالاتمواضيع رئيسية

لماذا يستخدم المُصممون إيحاءات من الماضي؟

قصي حازم –

أسئلة مشروعة ومنطقية، لماذا يستخدم مصممو السيارات إيحاءات من الماضي؟ ما الذي يُميِّز السيارات الكلاسيكية ويدفع لاستخدام شكلها العام في قوالب مُحدّثة؟ وهل السيارات القديمة أجمل من الحديثة فعلًا؟

قبل البدء بمناقشة أسباب استخدام المصممين لإيحاءات من طرازات قديمة، يجب أن ننوه إلى أن هذه الظاهرة موجودة في كثيرٍ من الصناعات مثل الأدوات المنزلية والألبسة، وفي كثيرٍ من صنوف الطعام (تجد مثلًا مُعلبات بالخلطة الأصلية، أو وصفة الجدّة)، وكذلك في الموسيقى والمُسلسلات التلفزيونية وغيرها.

هُناك حنين لأوقاتٍ مضت، وطمأنينة تحلُّ عند زيارة منزلٍ سكنته أو مشاهدة صور الطفولة أو لمس المتعلقات الشخصية القديمة. يُمكن أن نُسمي هذا “الحنين للماضي” ونكاد نتعرّف إليه باللفظ الأجنبي “النوستالجيا” الذي يرجع إلى اللغة اليونانية، والذي أشار عند استحداثه إلى الألم الذي يعانيه المريض إثر حنينه للعودة لبيته. يُشار إلى ذلك بالعربية “الأُبابة”.

بيجو إي ليجيند وبيجو 504 كوبيه

لكن النوستالجيا أصبحت الآن تشمل معاني الحنين إلى العديد من الأشياء، أو ببساطة “الحنين للماضي”

سنبقى هُنا لحظة أخرى، فقد حظي الحنين للماضي باهتمام علماء النفس، وأظهرت دراسات أن مزيج أحاسيس السعادة -التي قد يشوبها الألم- يُحسِّن الحالة المزاجية، وربما الصحة النفسية أيضًا، وأن ذلك -على غير المُتوقع- يرفع من المعنويات والشعور بالحيوية. كما أشارت الدراسات إلى أن الوحدة والملل تخلقان الحنين للماضي، وأننا ببساطة نمضي بالنوستالجيا لأنها تجعلنا -بطريقة غير واضحة- نشعر أفضل!

ونردِّد ويُردِّدون: سقا الله على أيام زمان

فولكسفاغن I.D. Buzz
فولكس واجن I.D. Buzz

أكاد أذكر حادثة كما لو كانت الأمس: في سنوات الدراسة، عشت العام 2003 في مدينة دينيتسك الأوكرانية، ثُم غادرت إلى العاصمة كييف التي تبعد بالقطار حوالي 11 ساعة. قررت في إجازة مُنتصف العام أن أزور دينيتسك، وأذكر أنني عند اقترابي إلى مكان الإقامة كدت من شوقي أن أركض إلى السكن الطلابي الذي طالما أرَّقني صراصيره، ولم أجد فيه راحة المسكن ولا طيب المأكل.. كان شعورًا غريبًا وطيبًا ومفاجئ في آن معاً.

أنا عندي حنين… ما بعرف لمين

مُقدِّمة طويلة نوعًا ما، ولكنها تُعطي لمحة عن سبب رؤيتنا العديد من الطرازات الحديثة بإيحاءات من الماضي، خُذ مثلًا فيات 500 وفولكس واجن بيتل وفولكس واجن I.D Buzz وميني وهوندا إي الكهربائية والاختبارية هيونداي 45 وبيجو إي ليجيند وفيجن مرسيدس سيمبلكس والخارقة بيوغاتي سينتوديتشي، ثُم زِد عليها أستون مارتن دي بي 4 زاغاتو وكرايسلر بي تي كروزر وفورد ثندربيرد وغيرها الكثير، كلهن أتين مُشبّعات بعبق الماضي لخلق شعورٍ طيبٍ بالأُلفة واستذكار الماضي الجميل، وبعضهن قُدِّمن بتوقيت ذكي، يُنسينا الأزمة الاقتصادية في العام 2008 مثلًا أو فضيحة انبعاثات الديزل أو غيرها.

Hyundai 45 EV Concept

لا تستهدف هذه الطرازات جيل الألفية بالضرورة، فجيل ما بعد الألفية يشعر بالحنين لسنوات الستينات والسبعينات بدون أن يعيش فيها، ذلك أن مُكوِّنات “الوحدة والملل” موجودة حاضرًا، ورفض الواقع حالة يشعر بها الكثيرون، والتعلُّق بحكايا الآباء العطرة عن الأيام الجميلة أسهل بكثير من الإعداد والعمل بجد لخلق مُستقبل مُختلف.

إلى ذلك، من المنطقي أن تتغنى شركات السيارات بأمجادها، خاصة عند وجود لاعبين جُدد في الساحة أمثال تسلا وريفيان ولوسيد موتورز، وانفتاح عمالقة صناعة السيارات الصينيين على العالم.

كخُلاصة، قد تتشابه أسباب استخدام المصممين إيحاءات من الطرازات القديمة مع أسباب شعورك بالحنين للماضي، فهُم في النهاية أشخاص مثلنا، ومن جهة أخرى قد يكون ذلك مُتعمّدًا يستهدف مشاعرك.

Mercedes-Benz Vision Simplex Concept

هل هذا سيء أم جيد؟

يقول لو هولتز: “لو أن ما فعلته بالأمس يبدو عظيماً، فهذا يعني أنك لم تفعل شيئاً اليوم”، لكن لا يعني هذا أن الحنين للماضي سيء أيضًا، وكلما زاد رضانا عن واقعنا يقل الحنين لكنه لا يختفي. والخطر الوحيد من الحالة هو الوقوف عندها، فنغرق في الماضي لتجنب الحاضر. تذكر ماضيك واصنع حاضرك ومستقبلك، واخلق ذكرياتٍ لنفسك تلجأ إليها في المستقبل!

وعليه، فيجب على المُصممين عدم السعي تكرارًا وراء أمجاد الماضي، بل صُنع أمجاد المستقبل بدءًا من اليوم… وأنا وأنت معهم أيضًا.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: