مقالات – قصي حازم
ليس سرًا أن شركات السيارات الألمانية حاولت جاهدة تطويع تصاميمها للتوافق مع المزاج الصيني، فمنذ عقد أو ما يزيد، رأينا العديد من الطرازات الألمانية بخطوط بيضاوية الطابع وتفاصيل هادئة ومنحنيات ناعمة. والأغلب أن إدارات التسويق لعلامات مثل مرسيدس-بنز وفولكس واجن وأودي وبي ام دبليو درست السوق الصيني وتفضيلات العملاء بشكل جيد، ولكن نعتقد أن ترجمة النتائج لم تكن دقيقة تمامًا.

سَعَت طرازات ألمانية من أمثال فولكس واجن ID.3 و ID.4 ومرسيدس بنز EQS وEQE وغيرها لإرضاء العميل الصيني بما يُحب. من جهة أخرى، أشارت أودي عند تقديم الاختبارية Audi E إلى نيتها لخلق لغة تصميم “رائقة” تجذب المستهلك الصيني. أما بي ام دبليو فبرّرت اعتماد شبكات أمامية كبيرة جداً في طرازات مثل الفئة السابعة بأنها تلائم السوق الصيني “الشاب والمنفتح”.
ورغم الجهود، لم تُحسن هذه الشركات قراءة الذوق الصيني بالكامل، بل إن بي ام دبليو نفسها اعترفت بأن ذائقة الصينيين في التصميم تتطور بسرعة.

لِمَ هذا الاهتمام بالصين، وما المُشكلة؟
إن الصين أكبر سوق عالمي للسيارات، وقد بيع فيها العام الماضي 31.4 مليون سيارة، مقارنة بـ 16 مليون في الولايات المتحدة ثاني أكبر الأسواق العالمية. وإن لاحظت فالطرازات الأوروبية المُصمّمة للسوق الصيني قلّما تجد طريقها إلى سوق الولايات المتحدة.
مع ذلك، فَقَدَت التصاميم الألمانية جزءاً من هويتها؛ بعضها أصبح مائعًا تمامًا، والآخر يبتذل الخشونة بتفاصيل غير متناسقة. بل يسري عند البعض شعور بأن الأسلوب الألماني بات يتبع الموضة بعد أن كان يصنعها، صار كئيبًا يحاول تقمّص شخصية جديدة متناسيًا أصله.
فمثلًا، عملت مرسيدس على تقديم أسلوب القوس الواحد One Bow بغية اعتماد منحنيات ناعمة، وتفادي الخطوط الحادة، وبالرغم من أننا أنفسنا نعتقد أن الفكرة العامّة منطقية تُحسّن الانسيابية وتستغل الحيز بشكل جيد، إلا أن النتيجة افتقرت للروح النشطة التي تميّزت بها طرازات مرسيدس السابقة.

نجد أيضًا أن “ميوعة” سيارات أودي الجديدة تقارب تلك في طرازات فولكس واجن. لا يفوتنا طبعًا تأثير بعض العوامل كضرورة الالتزام بالمقاييس الدولية وقوانين السلامة وضوابط عملية التصنيع والإنتاج، كُلّها تؤثّر على شكل المُنتج النهائي، وفي أغلب الحالات يكون التأثير سلبيًا على رونق التصميم، ولكن في ذات الوقت، رأينا شركات صينية تُذهلنا بطرازات تخضع لذات التشريعات والمُحددات، ولكن بأشكال أنيقة، طرازات صينية بهوية ناضجة.

الرد الصيني المُفحم
استقطبت بعض العلامات الصينية مصممين عالميين ألمان وغير ألمان، والسر في تصميمٍ متميّز لا يرتبط طبعًا بجنسية المُصمم، وإنما بتاريخ وفلسفة العلامة بالمُجمل، وتكلفة التصنيع ونواحٍ أخرى. شاهد رسومات التصميم من علامات مُختلفة وستُبهرك تمامًا. لكن تعديل التصاميم لتستجيب لفلسفة العلامة قد يُضعفها، ثم تُعدّل مرة أخرى لتسهيل التصنيع، وتُعدّل مرارًا بعد وصولها لدوائر المالية.









إنها مُشكلة للشركات العالمية التي يجب أن تلتزم بشكلٍ مُعيّن، وتخشى الإنفاق. بالمُقابل، تنتقل التصاميم الصينية للإنتاج بسهولة وسرعة، كما تتمتع صناعة السيارات الصينية بفترة تطوير قصيرة جدًا مقارنة بالطرازات الأوروبية بالمُجمل، وفي بعض الأحيان تكفي ستة أشهر فقط لتطوير طراز من الرسم المبدئي للمُنتج النهائي، وهذا قد يعطي أفضلية لمتابعة تطورات التقنية ورغبات السوق بشكل أدق.

الحقيقة أن الشركات الصينية قطعت خطوات كبيرة في تطوير لغة تصميم شاملة ومعاصرة. فقد أظهرت دراسة مستقلة أجرتها نيلسن آي كيو أن 85% من المشاركين في اختبار لم يتمكنوا من التمييز بين سيارة صينية وأخرى أوروبية عند إخفاء العلامة. أي أن الطرازات الصينية باتت متقاربة جداً من نظيراتها الأوروبية والأمريكية من حيث الجودة البصرية. وبحسب أحد الخبراء الذي عمل سابقاً لدى جيلي ولينك أند كو، فقد تطوّرت تصاميم السيارات الصينية في العقد الأخير لتصبح لها لغة تصميم عالمية خاصة بها.

ثم إن الحضارة الصينية التي يزيد عمرها عن خمسة آلاف عام، تحتوي عددًا هائلًا من الرموز الثقافية التي يمكن محاكاتها أو الاستيحاء منها لتصميم المنتجات. أشار لذلك سابقًا رئيس جنرال موتورز في الصين، وكرَّر ذلك بيتر هاربري Peter Horbury الرئيس السابق للتصميم في جيلي. أي أنك أمام صناعة قادرة على إبداع الجديد في سوقها المحلي، ومُخاطبة المستهلكين العالميين عبر توظيف مصممين أجانب.
إلى ما سبق، تستفيد صناعة السيارات الصينية من ثورة تقنية هائلة تُشارك بها عديد من الشركات هُناك، سواء تعلّق الأمر بنظام الدفع أو النظام المعلوماتي الترفيهي، بالإضافة طبعًا لأنظمة القيادة الذاتية والذكاء الاصطناعي.

وأخيرًا يأتي العامل الأهم، فالطرازات الصينية تُقدِّم قيمة أفضل مقابل السعر، فمثلًا يتحتوي النظام المعلوماتي الترفيهي في ليب موتور C10 (شاهد التجربة) ذات شريحة كوالكم المُستخدمة في مرسيدس-بنز إي كلاس التي يزيد سعرها ثلاثة أضعاف. أما ديبال E07 (شاهد الجربة) فتأتي بمقاعد خلفية مزودة بخاصية المساج التي لا تتوفر في مرسيدس-بنز إي كلاس ولا بي ام دبليو الفئة الخامسة ولا أودي A6.
إن العلامات الصينية تطلق طرازات جديدة بسرعة أكبر وتقدم تصاميم جذّابة مقارنة بالمنتجات الألمانية. وتتفوّق في تقديم “تجربة مطوّرة بسعر مخفّض”. والأرقام تعكس ذلك: فوفقًا لموقع GlobalNeighbours ارتفعت حصة السوق الصيني المحلي من 55.3% إلى 64.6% في السنوات الأخيرة، بينما تراجعت حصة الشركات الألمانية إلى مستويات قياسية تتراوح بين 14–15% .

لم تُكلّل محاولات التصميم الألمانية للتجاوب مع السوق الصيني بالنجاح، بل أفقدت الطرازات الألمانية الهوية وخسرت المنزلة التي كانت تتمتّع بها سابقًا، وقد تُضطر شركات مثل مرسيدس-بنز وأودي وبي ام دبليو لإعادة النظر في استراتيجية التصميم وابتكار ما يناسب القيم الثقافية الجديدة، وعليها أيضًا أن تنتبه للسعر، ولا تزيده بناءً على مكانة العلامة وأمجاد الماضي… لن تستطيع العلامات الألمانية اجترار ماضيها طويلًا!
لقد باتت الصين لا تشتري التصميم الألماني، بل تبيعه، ومع هذا التحوّل التاريخي، على ألمانيا أن تتذكر أن الأصالة لا تُصنع في السوق، بل في الفكر.



